السيد محمد بيرم الخامس التونسي

290

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

بأنه لم يوف بشرطه ، وأصحاب هذا الرأي قليلون . وبعضهم يرى أن الإعانة إنما تجب بالأبدان ، وأما المال فلا يجب على أحد شيء ومن قدر ببدنه وماله فعليه أن يذهب وليس على هذا الرأي إلا اثنان ، وجميع العلماء والعامة ضدهما وسقط اعتبارهما وقتئذ من أعين بعض رؤساء الحكومة سيما الوزير خير الدين ، وبعضهم يرى أن العسكر يحتاج إلى التدريب وإلى السلاح الجديد وبدونه العسكر كالعدم والمال لإقامة ذلك غير موجود ، لأن الغصب على أخذ المال من الرعية غير سائغ لما هم عليه ولجهل الحال في الملا والفقر ، فلذلك يلزم أن يوكل الأمر إلى الاختيار كل بما يستطيع . وبهاته الصورة لا يعلم مقدار ما يتحصل حتى يمكن الاعتماد عليه وتجهز العساكر على مقداره ، وعلى فرض حصول شيء أولا فلا تحقق لجريانه في المستقبل للقيام بالعسكر في المؤنة والذخائر ، ولذلك يكون اللازم هو إحضار المال لإعانة الدولة العلية بالمال وإعانتها واجبة لا محالة ، غير أن جمع المال يوكل إلى اختيار الدافع واجتهاده كما حصل في إعانة الحرب مع الصرب ، وهذا هو الرأي الغالب الذي استقر عليه أمرهم ، وهذا القسم يدفع تعليل القسم الأول من شرط الفرمان بوجوب إرسال العسكر ، بأن شرطه الطبيعي أن يكون ذلك في الإمكان ، وقد تبين أن الإمكان غير موجود وعمل بهذا الرأي لأنه رأى الغالب . « وحكم المسألة شرعا أفردناه برسالة فيما كتبناه على باب الجهاد من صحيح البخاري جامعة لحكم المذهب الحنفي والمالكي » . ثم جمعت الإعانة المالية على نحو ما تقدم وأرسل بعضها في مدة وزارة خير الدين وقدره ، فرنك 000 ، 300 ولم يعلم حسابها بالتحقيق ، لأن الوزير خير الدين خرج قبل نهايتها وبعده لم ينشر حسابها مثلما نشر حساب السابقة ، ثم أرسلت الدولة العثمانية بطلب ستمائة بغل لجر الأثقال الحربية وإن كانت خيلا وبغالا فلا بأس به ، فعمل الوزير خير الدين حزمه في طلبها من أعيان المتوظفين وقبائل العربان والبلدان بأن عين لكل فرد ما يدفعه من عدد البغال أو الخيل ، وكذلك القبائل والبلدان على أن يسعر ما يدفعه أهل البلدان والقبائل من الحيوانات بالمال ويقسط ثمنه على جميع الأهالي على حسب الجدة ، ويدفع الثمن لصاحب الحيوان بحيث لا يناله من المال إلا أمثال غيره ، فتسابقت الناس إلى ذلك وتنافسوا فيه ، وكثير من أصحاب الحيوانات في القبائل والبلدان امتنع من أخذ الثمن وجعلها في سبيل اللّه ، وأحضرت الحيوانات وبقيت تنتظر سفن الدولة لحملها لأن حملها في السفن التجارية غير مأمون عليه خشية تعرض سفن المحارب الذي أشاعه من يريد اجتناب تونس من الدولة العثمانية ، وشحنت تلك الحيوانات للآستانة بعد خروج الوزير خير الدين من الوزارة ببضعة أيام . وفي مبدأ الحرب سأل أحد نواب الدول الوالي والوزير عن قصد الحكومة في التداخل في الحرب وحذرها من عواقب قدوم الأسطول الروسي إلى مراسيها وخسارتها من